محمد بن علي الشوكاني
124
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
عند بهادر رأس النّوبة فتقدّم إلى أن صار مستوفى الدولة . فلما ولي الأعزّ الوزارة المرة [ الثامنة ] « 1 » صادره وضربه بالمقارع فترك المباشرة وانقطع بزاوية الشيخ نصر المنبجيّ . وكان الشيخ نصر صديق السلطان بيبرس الجاشنكير وقلّ أن يخالفه في شيء فكلّمه في أمره فأعفاه من المباشرة . واستمر بالزاوية إلى أن حفظ البقرة وآل عمران وتوصّل إلى أن استخدمه بيبرس ، وحصّل له أموالا جمّة في مدّة يسيرة وتقدّم عنده إلى أن صار هو المتحدّث في الدولة بأسرها ولا يعمل فيها شيء إلا بعد مراجعته وكان كثير الإعجاب والزهو بنفسه والتعاظم ، بحيث كان الشخص إذا كلّمه وهو راكب أمر بضربه بالمقارع فصنع ذلك مرتين أو ثلاثا فلم يجسر أحد أن يتحدّث معه وهو راكب وإذا نزل ودخل منزله لم يجسر [ 43 ] أحد على الهجوم عليه فيصبر الناس على اختلاف مراتبهم على بابه حتى القضاة ، فصار مهابا محترما جدا ، ومع ذلك فلا يقبل هدية ولا يخالط أحدا ولا يجتمع بغريب ويقتصد في ملبسه فلا يلبس في الصيف إلا الشاميّ الرفيع الأبيض ، ولا في الشتاء إلا الملطيّ الصوف الأبيض ولا يرى عليه إلا فرجية بيضاء . ثم إنّ سلار ألزمه بلبس خلعة الوزارة وكان شديد البغض له فلم يستطع مخالفته فلبسها في النصف من المحرم سنة 706 فعمل بالوزارة ذلك اليوم بالقلعة على العادة إلى أن انصرف إلى منزله [ وشيّعه ] « 2 » الناس . ثم أصبحوا إلى بابه ليركبوا في خدمته فأقام حتى تعالى النهار وأرسل يقول له مع غلامه أنه عزل نفسه ، وتوجّع إلى زاوية الشيخ نصر فكتب نصر إلى بيبرس يشفع فيه ولم يزل حتى أعفي عن الوزارة وبقي على عادته والأمر كله إليه في جميع ما يرجع إلى الدولة ، ولم يكن السلطان يكتب علامته على شيء حتى يرى خطّه فيه ، كذا ترجم له ابن حجر في الدّرر ولم يذكر وفاته .
--> ( 1 ) في [ ب ] الثانية . ( 2 ) في ب ] وسبعة .